انضمت أكثر من 190 دولة حول العالم، بما في ذلك الإمارات العربية المتحدة، إلى اتفاقية باريس، المعاهدة الدولية الملزمة التي تهدف إلى احتواء الاحتباس الحراري وخفضه بمقدار 2 درجة مئوية (أو ربما 1.5 درجة). إنه هدف حيوي يتطلب التزاماً وإجراءات طموحة على طريق حماية المناخ وتحقيق المقدار الكافي من المرونة والتكيف.

 

وفي سياق مساهمتها الإنسانية، سارعت دولة الإمارات إلى الإعلان عن استراجيتها للحياد الكربوني بحلول 2050، والتي تتضمن استثمارات تفوق 600 مليار درهم في مشاريع الطاقة المتجددة، مما يجعل الإمارات الدولة الوحيدة على مستوى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا التي تُقدم على هذه الخطوة. 

 

لقد كان الحديث عن تحقيق هذا الهدف، خلال العقود السابقة، أمراً أقرب إلى المستحيل، لكننا اليوم نتملك الكثير من الأدوات والممكنات لتحقيق خفض كبير ومهم في الانبعاثات الكربونية، كما أننا نمتلك السياسات التنفيذية التي تجعل من تطبيق ذلك على الأرض أمراً واقعياً. 

  

وبالنسبة لدولة الإمارات التي تُعرف بتفوقها التقني فإن سيناريو تحقيق الحياد الكربوني يعد أمراً ممكناً للغاية. وقد ساهمت تقنيات من قبيل البطاريات المتقدمة، والمركبات الكهربائية، والتصاميم المعمارية الفعالة، وخلايا الهيدروجين في جعل هذه السيناريوهات قابلة للتطبيق على أرض الواقع، وبتكاليف معقولة نسبياً. 

 

تضم استراتيجية الحياد الكربوني لدولة الإمارات 2050 حزمة ضخمة من المبادرات ذات المستوى العالمي المدعومة بتقنيات فائقة التطور. فعلى سبيل المثال، تبنت وزارة التغير المناخي والبيئة تقنية الزراعة بدون تربة في العديد من المشاريع الزراعية. وتمتاز هذه التقنية بأنها تساعد على التحكم بالظروف المناخية الداخلية (كالحرارة والرطوبة والتهوية)، كما أنها تزيد من كفاءة استهلاك المياه واستخدام الأسمدة، وتوفّر حلولاً للمشاكل المرتبطة بأنواع التربة. 

 

من ناحية أخرى، عملت الدولة عبر أكثر من 15 عاماً على تمويل مشاريع طاقة نظيفة، حيث تقدّر الاستثمارات في هذا المجال بأكثر من 40 مليار دولار أمريكي. وتشير التوقعات الراهنة إلى أن القدرة الإنتاجية لمشاريع الطاقة النظيفة ستصل إلى 14 جيجاواط بحلول 2030، مقارنة بحوالي 100 ميجاواط في 2015، و2.4 جيجاواط في 2020. وبفضل ما تمتلكه من رؤية استشرافية رائدة، فإن الإمارات اليوم تمتاز بأدنى مستوى في العالم من تكلفة الطاقة الشمسية، وهي موطن لثلاثة من أكبر منشآت الطاقة الشمسية في العالم. كما أنها الدولة الأولى في المنطقة التي تستخدم الطاقة النووية وتطوّر تقنيات احتجاز الكربون واستخدامه وتخزينه (CCUS).

 

ومن الأمثلة الأخرى في هذا السياق، وهذه المرة في مجال النقل الذي يعد أحد مصادر الانبعاثات الأسرع نموّاً في العالم، تستثمر دولة الإمارات في أنظمة النقل الجماعي مثل السكك الحديدية الخفيفة في دبي، ومشروع القطار فائق السرعة، وهذه المشاريع مدعومة باستراتيجيات معتمدة في إمارات الدولة كافة منها استراتيجية النقل الذاتي في إمارة دبي، والتي من المتوقع أن تخفّض التأثير البيئي للنقل في الإمارات بنسبة 12 في المئة. وهنالك أيضاً مبادرة دبي للتنقّل الأخضر التي تهدف لتشجيع استخدام وسائل النقل المستدام والمركبات الكهربائية من أجل تحقيق التنمية المستدامة. 

 

من ناحية أخرى، تمتلك دولة الإمارات باقة كبيرة ومتنوعة من مبادرات المشاريع ذات البعد المناخي، والقاسم المشترك بين تلك المشاريع والمبادرات يتمثل في البيانات. فقد أصبح تحليل البيانات مفتاحاً للعديد من الحلول الواعدة، وأولوية قصوى من أجل تحقيق الحياد الكربوني عبر دعم التصنيع المستدام، والاستخدام الأمثل للموارد، وتشجيع الابتكار في القطاعات كافة. في هذا السياق أطلقت حكومة دولة الإمارات منصة "البيانات الضخمة من أجل التنمية المستدامة" وذلك كجزء من مبادرة ترمي إلى تحقيق أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة من خلال توظيف البيانات الضخمة والتقنيات المدعومة بالذكاء الاصطناعي. 

 

ولمّا كان للتكنولوجيا أثرها الواضح في تحقيق مستقبل أكثر استدامة، فإن دولة الإمارات، كعادتها دوماً، تعدّ مثالاً يحتذى في هذا السياق. وبينما يمضي العالم نحو تجاوز الآثار المترتبة على جائحة كوفيد 19، فمن الضروري أن تتناغم الاستثمارات والموازنات المخصصة لدعم التعافي الاقتصادي مع مسار الانبعاث الصفري. كما يتعين التركيز على وضع السياسات التي من شأنها دعم وتعزيز سرعة انتشار التقنيات النظيفة والفعالة.