يؤكد «مسح الأمم المتحدة للحكومة الإلكترونية لعام 2024» أن الاستثمار في الحوكمة الرقمية أصبح ركيزة أساسية في استراتيجيات المدن الطموحة التي تسعى إلى تعزيز تجربة المتعاملين والارتقاء بجودة الخدمات، كما تشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) إلى أن التحول الرقمي في المدن لم يعد مجرد خيار تقني، بل أصبح محركاً جوهرياً لإعادة تشكيل نمط الحياة الحضرية وتعزيز الترابط بين الحكومات والمجتمعات والقطاع الخاص.

وفي هذا السباق العالمي نحو الريادة الرقمية، تبرز دبي نموذجاً ملهماً في توظيف التكنولوجيا بذكاء لتطوير تجارب رقمية متكاملة، تسهم في تسريع الاستجابة للاحتياجات، وتحفيز النمو الاقتصادي المستدام.

ونجحت دبي في تجسيد هذا التوجّه من خلال رؤية رقمية شاملة تسخّر التقنيات المتقدمة لرفع جودة الحياة، وبناء اقتصاد رقمي مرن ومزدهر.

وتشكّل المبادرات الطموحة في مجالات الذكاء الاصطناعي وسلاسل الإمداد الرقمية وحلول التنقل من الجيل التالي ركيزة محورية في مسيرة دبي الرقمية، وهو ما يعكس التزام دبي بتوظيف التكنولوجيا لتحقيق أثر إيجابي ملموس، وبناء بنية تحتية رقمية مرنة وقادرة على مواكبة المتغيرات واستشراف المستقبل.

المبادرات الرئيسية في الحياة الرقمية

لا تكتفي دبي بتبني الذكاء الاصطناعي فحسب، بل تقوده بمنظور أخلاقي واستراتيجي. فمن خلال سياسة شاملة للذكاء الاصطناعي، أرست الإمارة أُطر حوكمة متقدمة تضمن استخدام هذه التقنية بشكل مسؤول وآمن في مختلف القطاعات، واضعةً التوازن بين الابتكار والسلامة والثقة في صميم رؤيتها.

وعلى مدار أكثر من عقد من الزمان، تعمل مؤسسة دبي للبيانات والإحصاء على جمع وتصنيف وهيكلة البيانات على مستوى المدينة لضمان جاهزيتها للاستخدام في نماذج الذكاء الاصطناعي.

كما تتعاون دبي الرقمية مع قادة التكنولوجيا العالميين لضمان وجود بنية تحتية عالمية المستوى للذكاء الاصطناعي. ودعماً لهذا التوجه، تتعاون دبي الرقمية أيضاً مع مركز دبي للذكاء الاصطناعي (DCAI) لتحديد حالات الاستخدام الواعدة، وهو ما أسفر عن إصدار «تقرير حالة الذكاء الاصطناعي في دبي». كمرجع استراتيجي.

وفي أبريل 2024، أطلق الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي، نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير الدفاع، رئيس المجلس التنفيذي لإمارة دبي، «خارطة طريق دبي الشاملة للذكاء الاصطناعي»، بهدف ترسيخ مكانة دبي كأسرع مدن العالم تطوراً وأكثرها مرونة وجاهزية للمستقبل.

وتجسد هذه الخطة السنوية رؤية الشيخ حمدان بن محمد بن راشد في تسخير إمكانات الذكاء الاصطناعي لرفع جودة الحياة، وتسريع تبني الذكاء الاصطناعي في القطاعات الحيوية، والمساهمة في تحقيق أهداف أجندة دبي الاقتصادية D33 من خلال إضافة 100 مليار درهم سنوياً إلى اقتصاد دبي، وزيادة الإنتاجية بنسبة 50% من خلال حلول مبتكرة.

وانطلاقًا من رؤية الشيخ حمدان بن محمد بن راشد الريادية، اتخذ خطوات عملية لترسيخ هذا التوجه، من أبرزها تعيين 22 رئيساً تنفيذياً للذكاء الاصطناعي في الجهات الحكومية في العام 2024، إلى جانب إطلاق حاضنات للذكاء الاصطناعي و«الويب 3» مثل «مجمع دبي للذكاء الاصطناعي» في مركز دبي المالي العالمي للابتكار، كما وجه بتنظيم «أسبوع للذكاء الاصطناعي» في المؤسسات التعليمية لترسيخ الثقافة الرقمية لدى الأجيال القادمة.

التنقل والابتكار الحضري

وفي مجال التنقل، تتصدر دبي جهود دمج التقنيات المتقدمة، حيث أصبحت الإمارة مرادفاً لحلول النقل المستقبلية، والفعالة، والمستدامة. ويتجلى ذلك في عدة مشاريع، بدءاً من أول نظام مترو ذاتي القيادة في العالم، وصولاً إلى تطوير مركبات الأجرة الطائرة وأنظمة النقل فائقة السرعة (هايبرلوب).

وتؤكد خطة دبي الحضرية 2040 أهمية تقليل الازدحام المروري، والحد من الانبعاثات الكربونية، ودمج التكنولوجيا الذكية في البنية التحتية العامة.

ومن خلال الجمع بين التخطيط الحضري الطموح والابتكار المتطور، تعيد دبي صياغة مفهوم حركة الأفراد والبضائع داخل حدودها وخارجها.

الاقتصاد الرقمي والريادة العالمية

تسير دبي بخطى واثقة نحو ترسيخ مكانتها كعاصمة رقمية عالمية، وقد أطلقت دبي استراتيجية دبي اللانقدية، ما رسّخ مكانتها مركزاً للمدفوعات الرقمية الآمنة، والشاملة، والمريحة.

ولا تكتفي دبي بقيادة التغيير داخلياً، بل تفتح آفاق التعاون دوليًا من خلال شراكات استراتيجية مع الأمم المتحدة ومدن عالمية رائدة لدفع عجلة المبادرة العالمية للعوالم الافتراضية والذكاء الاصطناعي، بهدف صياغة أطر عمل مستقبلية لتقنيات الواقع الافتراضي والحوكمة الرقمية.

ومما يزيد من قوة بيئتها الابتكارية، حصول دولة الإمارات العربية المتحدة في العام 2025 على المرتبة الأولى عربياً وضمن قائمة العشرة الأوائل عالمياً في تصنيف المعهد الدولي للتطوير الإداري للمواهب () (IMD الاتحاد).

وهذا يجعل من دبي وجهة جاذبة لرواد الأعمال والمبتكرين والمواهب الرقمية من مختلف أنحاء العالم.

دروس أساسية للمدن الساعية إلى تبني الحوكمة الرقمية

تُقدّم دبي، من خلال تجربتها الرائدة في التحوّل الرقمي، نموذجاً ملهماً تسترشد به المدن حول العالم. ويمكن استخلاص ركائز رئيسة لأي حكومة تسعى لتبني الحوكمة الرقمية وهي:

الرؤية المستقبلية: الحكومات الناجحة لا تُدار بردّات الفعل، بل تُبنى على رؤى استشرافية وتستبق المتطلبات المستقبلية. وهذا ما يميز سياسات دبي في مجالات الرقمنة، والنقل، والبنية التحتية.

التكامل والشمولية: التحول الرقمي الحقيقي لا يتحقق إلا بتكامل الجهود عبر الجهات الحكومية والخاصة تحت مظلة رؤية موحدة. فالجهود المنسقة بين القطاعين العام والخاص تضمن الكفاءة وتعزز الابتكار.

حوكمة البيانات: في عصر البيانات، لا بد من أطر حوكمة واضحة وشاملة تحكم مشاركة البيانات، وتحفظ أمنها، وتُعزز الثقة العامة. ومع تطور التقنيات، تساعد الأطر التنظيمية المرنة على تحقيق التوازن بين الابتكار والامتثال والسلامة.

تحسين جودة الحياةلا تكتمل أي استراتيجية رقمية من دون التركيز على أثرها المباشر في حياة الناس، لذا يجب أن تعطي المبادرات الرقمية الأولوية لسهولة الوصول والاستخدام والمساهمة في حلول المستقبل كمركبات الأجرة ذاتية القيادة والطائرات المسيرة، وانسيابية التنقل، وتعزيز الاستدامة، وتحسين الاتصال.

تطلعات مستقبلية

بعد أن أنجزت دبي رقمنة غالبية خدماتها الحكومية، تتجه اليوم إلى إرساء تجارب رقمية متكاملة تربط بين القطاعين الحكومي والخاص، بما يضمن رحلة سلسة للمستخدم من دون حواجز أو تعقيدات.

وتمضي المدينة قدماً نحو تطبيق حلول الذكاء الاصطناعي التفاعلي التي تعمل مساعداً شخصياً لإنجاز الخدمات في غضون ثوانٍ دون الحاجة لتكرار الخطوات أو التنقل بين منصات متعددة. ويبقى التعاون المستمر بين القطاعين العام والخاص حجر الزاوية في استراتيجية دبي الرقمية، ودافعاً رئيساً لتحقيق التحول المنشود نحو تجارب أكثر مرونة وذكاء.

ومع تسارع التحولات الرقمية في المدن حول العالم، تبرز دبي كحالة دراسية عالمية تُلهم الحكومات الأخرى. فمن خلال التركيز على الحوكمة، والتقنيات الناشئة، ومشاركة السكان، تستطيع الحكومات بناء خدمات عامة أكثر مرونة، وشفافية، وكفاءة.